قراءة شاملة لاتفاقيات الشراكة الاقتصادية الشاملة (CEPA) لدولة الإمارات لعام 2026: ما النافذ منها، وماذا تقدّم اتفاقية الإمارات مع الاتحاد الاقتصادي الأوراسي، والرسوم الجمركية، وقواعد المنشأ، والقطاعات المستفيدة أولًا.
لم تعد شبكة اتفاقيات الشراكة الاقتصادية الشاملة مجرد واجهة دبلوماسية للسياسة الخارجية الإماراتية. فبحلول منتصف عام 2026، تحوّلت إلى أداة تشغيلية تُحرّك هوامش صفقات بعينها في اقتصاد الإمارات — من حاوية منسوجات هندية تُفرَّغ في ميناء جبل علي، إلى قمح كازاخستاني يعبر دبي في طريقه إلى شرق أفريقيا. ولمن يتابع أخبار الأعمال في الإمارات، لا يكاد يمرّ شهر دون توقيع جديد أو إعلان نفاذ.
حتى النصف الأول من 2026، وقّعت الإمارات ما يزيد على ثلاثين اتفاقية CEPA. النافذ منها فعليًا — أي ما يمنح رسومًا تفضيلية عند الحدود — نحو خمس عشرة اتفاقية. الفارق جوهري: الاتفاقية المُوقَّعة لا تمنح أي تفضيل حتى يستكمل الطرفان التصديق الداخلي وتُنشر جداول التعرفة. والزمن الفاصل بين "التوقيع" و"النفاذ" في التجربة الإماراتية يتراوح عادةً بين تسعة أشهر وعامَين.
الأمر ليس تفصيلًا نظريًا. الشركة التي تُعيد تصميم سلسلة الإمداد لديها قبل النفاذ تصل إلى تاريخ السريان ومعها ميزة سعرية جاهزة. غيرها يلحق بعد فوات الأوان.
ما هي اتفاقية CEPA بلغة عملية؟
اتفاقية CEPA (Comprehensive Economic Partnership Agreement) اتفاقية ثنائية لخفض الحواجز التجارية بين دولتين، أوسع نطاقًا من اتفاقيات التجارة الحرة التقليدية (FTA). فبالإضافة إلى الرسوم الجمركية على السلع، تتناول تجارة الخدمات، والاستثمار، والمشتريات الحكومية، والملكية الفكرية، وتبسيط الإجراءات الجمركية — أي أنها تلامس ملفات تنظيم الأعمال في الطرفين، لا مجرد سعر الجمرك.
بالنسبة إلى قطاع الأعمال، يترجم ذلك إلى ثلاثة مكاسب ملموسة:
- الرسوم الجمركية. إلغاء أو خفض تدريجي للرسوم على الشريحة الأكبر من البنود التعرفية — عادةً بين 80% و97% من خطوط التعرفة.
- الخدمات والاستثمار. حق ممارسة النشاط في بلد الشريك وفق شروط المعاملة الوطنية في قطاعات مُحدَّدة.
- الإجراءات. الاعتراف المتبادل بالشهادات، وتبسيط قواعد المنشأ، والإقرار الجمركي الإلكتروني.
تندرج منظومة CEPA ضمن مبادرة "مشاريع الخمسين" التي أطلقتها الإمارات عام 2021. الهدف الاستراتيجي واضح: رفع التجارة الخارجية غير النفطية السنوية إلى 4 تريليون درهم بحلول 2031. وبنتائج عام 2024، بلغت هذه التجارة نحو 3 تريليون درهم (ما يعادل نحو 816.7 مليار دولار، بنمو 14.6% على أساس سنوي) — أي أن 75% من الهدف تحقّق بالفعل، وقبل الموعد المستهدف.
مع أي دول باتت CEPA سارية فعليًا؟
بحلول منتصف عام 2026، بات النظام التفضيلي ساري المفعول مع نحو خمس عشرة دولة شريكة. يُلخّص الجدول التالي أبرز الحالات، والتواريخ تُشير إلى دخول الاتفاقية حيّز التنفيذ لا إلى تاريخ التوقيع.
| الدولة | تاريخ النفاذ | تغطية خطوط التعرفة\* |
|---|---|---|
| الهند | 1 مايو 2022 | 97% (99% من قيمة الصادرات الهندية) |
| إسرائيل | 1 أبريل 2023 | نحو 96% |
| إندونيسيا | سبتمبر 2023 | نحو 94% |
| تركيا | 1 سبتمبر 2023 | 82% من الخطوط / 93% من قيمة التجارة غير النفطية |
| كمبوديا | يناير 2024 | نحو 92% |
| جورجيا | يونيو 2024 | نحو 95% |
| موريشيوس | 1 أبريل 2025 | نحو 97% |
| كوستاريكا | 1 أبريل 2025 | نحو 91% |
| أستراليا | 1 أكتوبر 2025 | نحو 99% (من أعمق اتفاقيات CEPA) |
| تشيلي | 24 نوفمبر 2025 | نحو 96% |
\*بيانات التغطية مُجمَّعة من إصدارات وزارة الاقتصاد الإماراتية، وممثليات الشركاء التجارية، والصحافة الاقتصادية المتخصصة. ولتحديد الوضع الدقيق لأي رمز HS بعينه، يلزم الرجوع إلى الملحق الرسمي المُرفَق بالاتفاقية.
ثمة اتفاقيات أخرى وُقّعت لكنها لم تدخل حيّز التنفيذ بعد: صربيا، والأردن (قيد التنفيذ عمومًا)، وكوريا الجنوبية، وماليزيا، ونيوزيلندا، وكولومبيا، وكينيا، وفيتنام، وجمهورية إفريقيا الوسطى، وجمهورية الكونغو، وأذربيجان. أما اتفاقيتا الفلبين ونيجيريا فقد وُقّعتا في 13 يناير 2026 على هامش أسبوع أبوظبي للاستدامة. واختُتمت المفاوضات مع كل من المغرب وأرمينيا.
ماذا تعني اتفاقية CEPA الإمارات–الاتحاد الأوراسي لأصحاب الأعمال في روسيا وكازاخستان وبيلاروسيا؟
سطر مستقل للقارئ الناطق بالروسية. في يوليو 2025، وقّعت الإمارات اتفاقية CEPA مع الاتحاد الاقتصادي الأوراسي — الذي يضم روسيا وكازاخستان وبيلاروسيا وأرمينيا وقيرغيزستان. تُحرّر الاتفاقية شريحة واسعة من البنود التعرفية (تتراوح التقديرات المعلنة بين 85% و95% من الكتلة السلعية)، وتفتح سوقًا استهلاكية تتجاوز 180 مليون نسمة في إطار تفضيلي موحّد.
ما ينبغي فهمه قبل الحماس المبكر:
- الاتفاقية لم تدخل حيّز التنفيذ بعد. هي مُوقَّعة فقط. الإطلاق يستلزم تصديقات داخل الدول الأعضاء ونشر ملاحق التعرفة. تحديد "يوم صفر" قاطع أمر سابق لأوانه — تجربة الاتفاقيات الأخرى (تركيا، الهند) تُظهر فارقًا زمنيًا بين 6 و18 شهرًا.
- ليست كل الفئات ستنزل إلى صفر. بعض البنود الحساسة (المنتجات الزراعية، والمعادن، وبعض السلع الصناعية) يقع عادةً في جداول مرحلية تمتد من 3 إلى 10 سنوات. ستتّضح القائمة من ملاحق التعرفة بعد التصديق.
- مسار العقوبات. توفّر الاتفاقية نظامًا تجاريًا، لكنها لا تُلغي العقوبات الثانوية ولا اشتراطات الامتثال لدى مصرف الإمارات المركزي (Central Bank of the UAE). ببساطة: الرسوم تنخفض، وإجراءات KYC تبقى.
- إضافةً إلى ذلك: اتفاقيات ثنائية لحماية الاستثمار. إلى جانب CEPA الكتلوية، للإمارات اتفاقيات ثنائية سارية بشأن الخدمات والاستثمار مع كل من روسيا وبيلاروسيا.
بالنسبة إلى المُصدِّر الروسي العامل عبر مركز دبي، يعني ذلك خارطة طريق واضحة: مراجعة رمز HS الخاص بمنتجه في مسودة جدول التعرفة، وتقدير ما إذا كان يقع ضمن الإلغاء الفوري أم في ممرّ مرحلي مدته خمس سنوات، ثم معايرة هيكل الإمداد ومستويات المخزون لعامَي 2026 و2027 وفقًا لذلك.
كيف يستفيد المستورد أو المُصدِّر عمليًا من التفضيل الجمركي؟
هنا تتعثّر معظم الشركات. اتفاقية CEPA وحدها لا تصنع الميزة السعرية — الميزة تصنعها شهادة منشأ تفضيلية مُعدَّة بشكل سليم، ومطابقة السلعة لقواعد المنشأ (rules of origin).
خطوات التنفيذ:
- حدّد رمز HS للسلعة — 6 خانات وفق التصنيف الدولي، ويفضَّل 8 خانات (بالتفصيل الوطني). على هذا الرمز يتوقّف كل ما يأتي بعده.
- افتح ملحق التعرفة المُرفَق بالاتفاقية. تنشره وزارة الاقتصاد الإماراتية والوزارة المختصة لدى الشريك. ابحث عن السطر المطابق لرمز HS الخاص بك.
- تحقّق من فئة التعرفة. إما إلغاء فوري (Immediate elimination) من تاريخ النفاذ، أو مرحلي (Phased) على 3 أو 5 أو 7 أو 10 سنوات، أو خفض جزئي (Reduction)، أو استبعاد كامل (Exclusion).
- اجتَز اختبار المنشأ. المعيار الأساسي قاعدة القيمة المضافة أو تغيير البند الجمركي (CTSH/CTH). المرور العابر عبر الإمارات وحده لا يُكسب البضاعة صفة "إماراتية".
- استخرج شهادة المنشأ. في الإمارات، تُصدَر عبر الهيئة الاتحادية للجمارك والغرف التجارية في الإمارات؛ ولا بد أن تكون شهادة تفضيلية (Preferential) لا عامة، فالعامة لا تمنح مزايا CEPA.
- طالِب بالتفضيل عند الاستيراد. يُشار في البيان الجمركي لدى الشريك إلى الاتفاقية، وتُقدَّم شهادة المنشأ للمخلّص الجمركي.
فخّ آخر منفصل — النقل المباشر (direct consignment). تشترط معظم اتفاقيات CEPA أن تنتقل السلعة من بلد التصدير إلى بلد الاستيراد دون عمليات تجارية في دولة ثالثة. التفريغ أو إعادة التحميل في ميناء وسيط مسموح به، أما إعادة البيع لطبقة أوفشور فتُسقط الميزة عادةً.
من يستفيد أولًا؟ خارطة القطاعات الرابحة
ثلاث سنوات من مراقبة اتفاقية الهند–الإمارات تكشف أين ينساب التفضيل الجمركي بأسرع وتيرة — وأين يتحوّل إلى نقاط نمو ملموسة في الناتج المحلي غير النفطي على الطرفين.
- المجوهرات والمعادن الثمينة. المستفيد الأكبر على المسار الهندي: استيراد المصوغات الذهبية من الإمارات إلى الهند بحصة تفضيلية، وتصدير الماس الهندي في الاتجاه المعاكس.
- الكهربائيات والإلكترونيات والهواتف الذكية. التجميع الهندي يعبر الإمارات إلى أفريقيا ودول مجلس التعاون الخليجي (GCC).
- الكيماويات والأسمدة. تدفق سلعي منتظم في الاتجاهين.
- الأغذية والقطاع الزراعي. حساسية عالية للرسوم — أثر CEPA يظهر شبه فوري.
- الخدمات: الخدمات اللوجستية، والتكنولوجيا المالية، والإنشاءات، والاستشارات. الصف الثاني — انفتاح أسواق الخدمات.
الهند–الإمارات: بلغت الصادرات الهندية غير النفطية إلى الإمارات 27.4 مليار دولار في السنة المالية 2023–24، بمعدل نمو سنوي مركّب يقارب 25.6% منذ دخول الاتفاقية حيّز التنفيذ. وتضاعف إجمالي التبادل التجاري بين البلدين تقريبًا خلال ثلاث سنوات — من 43.3 مليار دولار (2020–21) إلى 83.7 مليار دولار (2023–24)، منها 57.8 مليار دولار في الجزء غير النفطي.
مع تركيا، لم يمرّ على الاتفاقية سوى عامين، وباتت تُستشهد بها بوصفها إحدى الأدوات التي دفعت الصادرات التركية إلى الإمارات. ومع جورجيا، تُشير التوقعات إلى مضاعفة التجارة غير النفطية ثلاث مرات لتبلغ 1.5 مليار دولار، مع إضافة 3.9 مليار دولار إلى الناتج المحلي الإماراتي بحلول 2031. أما مع كوستاريكا، فقد ارتفعت التجارة غير النفطية في 2024 بنسبة 27.5% (إلى 82.6 مليون دولار) — قاعدة صغيرة، لكن ديناميكيتها لافتة.
ما الخطوة التالية على خارطة CEPA؟
تسدّ الإمارات منهجيًا ثلاث مناطق جغرافية عبر مفاوضاتها الجارية.
- أفريقيا. موريشيوس، وكينيا، وجمهورية إفريقيا الوسطى، والكونغو، ونيجيريا، والمغرب — تحويل دبي إلى البوابة الرئيسية للقارة السمراء.
- آسيا والمحيط الهادئ. ماليزيا، وكوريا الجنوبية، وفيتنام، والفلبين، ونيوزيلندا، وأستراليا — تكثيف الوجود على الجسرَين الهندي والإندونيسي القائمَين.
- أمريكا اللاتينية. تشيلي، وكوستاريكا، وكولومبيا — نقطة دخول إلى القارة عبر المحيط الهادئ.
إلى جانب ذلك، ثمة ملفان كتلويّان كبيران — اتفاقية CEPA مع الاتحاد الاقتصادي الأوراسي، وحوار متواصل مع الاتحاد الأوروبي حول اتفاقية تجارية (ليست CEPA بالمعنى الدقيق، بل صيغة إطارية حتى الآن).
الخلاصة العملية للشركة التي تعمل عبر الإمارات، أو تخطط لذلك:
- ارسم خارطة رموز HS الخاصة بك، وطابقها على مصفوفة "الدولة – حالة CEPA – جدول التعرفة".
- افصِل عقودك إلى مسارَين: اتفاقيات نافذة، واتفاقيات موقّعة يُتوقّع نفاذها خلال 2026–2027.
- تأكد أن هيكل القيمة المضافة لديك يسمح باستخراج شهادة منشأ. لو كان 90% من المكوّنات مُشترى من دولة ثالثة والتجميع في الإمارات شكليًا — قاعدة المنشأ لن تتحقق.
- احتفظ بملاحق التعرفة المحدَّثة تحت اليد. فهي تتغيّر — إذ تنخفض النِسَب سنويًا وفق الجداول المرحلية.
اتفاقية CEPA ليست تخفيضًا شاملًا لكل الحالات. هي أداة تدرّ عائدًا حيث يستعدّ صاحب العمل للتعامل بدقة مع الأوراق وخطّ سير البضاعة. من يتحمّل هذه الدقة — يكسب الفارق كهامش ربح.


